الحلبي
63
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وصبّ المال الذي جيء به من أموال كسرى في صحن المسجد ، وفرقه على المسلمين ، ثم قطع البساط وفرقه بين المسلمين ، فأصاب عليا رضي اللّه تعالى عنه منه قطعة باعها بخمسين ألف دينار . ثم جيء ببنات الملك الثلاث فوقفن بين يديه ، وأمر المنادي أن ينادي عليهنّ ، وأن يزيل نقابهنّ عن وجوههنّ ليزيد المسلمون في ثمنهن ، فامتنعن من كشف نقابهن ووكزن المنادي في صدره فغضب عمر رضي اللّه تعالى عنه وأراد أن يعلوهن بالدرة وهن يبكين ، فقال له علي رضي اللّه تعالى عنه : مهلا يا أمير المؤمنين ، فإني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « ارحموا عزيز قوم ذل ، وغني قوم افتقر » فسكن غضبه ، فقال له علي : إن بنات الملوك لا يعاملن معاملة غيرهن من بنات السوقة ، فقال له عمر : كيف الطريق إلى العمل معهن ؟ فقال : يقوّمن ومهما بلغ ثمنهن يقوم به من يختارهن ، فقومن وأخذهن علي رضي اللّه تعالى عنه ، فدفع واحدة لعبد اللّه بن عمر فجاء منها بولده سالم ، وأخرى لمحمد بن أبي بكر فجاء منها بولده القاسم ، والثالثة لولده الحسين فجاء منها بولده عليّ الملقب بزين العابدين وهؤلاء الثلاثة فاقوا أهل المدينة علما وورعا ، وكان أهل المدينة قبل ذلك يرغبون عن التسرّي ، فلما نشأ هؤلاء الثلاثة فيهم رغبوا فيه . ومن غريب الاتفاق ما حكاه بعضهم قال : كنت أجالس سعيد بن المسيب وأعجب سعيد بي يوما ، فقال لي : من أخوالك ؟ فقلت : أمي فتاة ، فكأني نقصت من عينه ، فأنا عنده إذ دخل عليه سالم بن عبد اللّه بن عمر ، فلما خرج من عنده ، قلت له : يا عم من هذا ؟ قال : سبحان اللّه أتجهل مثل هذا من قومك ؟ هذا سالم بن عبد اللّه بن عمر ، قلت فمن أمه ؟ قال فتاة . ثم دخل القاسم بن محمد فجلس عنده ثم نهض ، فلما خرج قلت : يا عم من هذا ؟ قال : ما أعجب أمرك ! أتجهل مثل هذا ؟ قال القاسم بن محمد بن أبي بكر ، قلت : فمن أمه ؟ قال فتاة . ثم دخل عليه علي بن الحسين فجلس ثم نهض ، فلما خرج قلت له : من هذا ؟ قال : عجبت منك ! أتجهل مثل هذا ؟ هذا علي زين العابدين بن الحسين ، قلت : فمن أمه ؟ قال : فتاة . قلت : يا عمي رأيتني نقصت من عينك لما علمت أن أمي فتاة فما لي في هؤلاء أسوة ؟ فقال : أجل وعظمت في عينه جدا . ولما رجع سراقة صار يردّ عنهم الطلب ، لا يلقى أحدا إلا ردّه ، يقول : سيرت أي اختبرت الطريق فلم أراد أحدا . وفي لفظ قال لقريش : أي الجماعة منهم قصدوه صلى اللّه عليه وسلم كأنهم أخبروا بمكان مسيره ذلك : قد عرفتم بصرى بالطريق ، وقد سرت فلم أر شيئا فرجعوا » أي فإن كفار قريش لما سمعوا من الهاتف أي ومن غيره بأنه صلى اللّه عليه وسلم نزل في خيمة أم معبد كما سيأتي ، أرسلوا سرية في طلبه ، يقول قائلهم : اطلبوه قبل أن يستعين عليكم بكلبان العرب ، فيحتمل أن هؤلاء هم الذين ردهم سراقة ، فكان